ملا محمد مهدي النراقي
287
جامع السعادات
من لدن منكبيه إلى الهواء ، يصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه ، وإن المصلي لينشر عليه البر من أعنان السماء إلى مفرق رأسه ، ويناديه مناد : لو علم المصلي من يناجي ما التفت . وإن أبواب السماء تفتح للمصلين ، وإن الله يباهي ملائكته بصدق المصلي ) . فإن رفع الحجاب وفتح أبواب السماء كناية عن إفاضة العلوم الباطنة عليه . وورد في التوراة : ( يا ابن آدم ، لا تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا ، فأنا الله الذي اقتربت من قلبك ، وبالغيب رأيت نوري ) وورد : ( أن العبد إذا صلى ركعتين ، عجبت منه عشرة صفوف من الملائكة ، كل صف منهم عشرة آلاف ، وباهى الله به مئة ألف ) . وذلك لأن العبد جمع في الصلاة بين القيام والقعود ، والركوع والسجود ، والذكر باللسان ، وغير ذلك . وليس لملك من الملائكة هذا القسم من العبادة الجامعة بين الكل ، بل هذه الأفعال موزعة عليهم ، فبعضهم قائمون لا يركعون إلى يوم القيامة ، وبعضهم ساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة ، وهكذا الراكعون والقاعدون ، فإن ما أعطي الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم ، مستمر على حالة واحدة ، لا تزيد ولا تنقص ، وليس لهم مرتبة الترقي من درجة إلى أخرى ، وباب المزيد مسدود عليهم ، ولذلك قالوا : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) ، بخلاف الإنسان ، فإن له الترقي في الدرجات ، والتقلب في أطوار الكمالات ، ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلاة ، قال الله سبحانه : ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة ، وهي المقرونة بالخشوع ، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا ، فقال في آخرها : ( والذين هم على صلاتهم يحافظون ) ، ثم قال في ثمرة تلك الصفات : ( أولئك هم الوارثون ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) ( 37 ) . فوصفهم في بالفلاح أولا ، وبوارثة الفردوس آخرا . فالمصلون هم ورثة الفردوس وورثة الفردوس هم المشاهدون لنور الله بقربه ودنوه بالقلب . وكل عاقل يعلم أن مجرد حركة اللسان والجوارح مع غفلة القلب ، لا تنتهي درجته إلى هذا الحد .
--> ( 37 ) المؤمنون ، الآية : 9 / 11 .